النتائج الاجتماعية :
أحدثت الحرب العالمية الأولى تغييرات عدة في المجتمع فقد أثر موت كثير من الشباب على فرنسا أكثر مما أثر على أي قطر آخر وانخفض سكان فرنسا خلال العشرينيات من القرن العشرين بسبب انخفاض المواليد واجتثت الحرب الملايين من أبناء الشعب وهرب بعضهم من مناطق مزقتها الحرب ليجدوا بيوتهم ومزارعهم وقراهم خربة وصار بعضهم الآخر لاجئين نتيجة للتغيرات في الحكومات والحدود السياسية خاصة وسط وشرق أوروبا.
فضل كثير من الناس أن يستأنفوا سيرتهم الأولى بعد الحرب العالمية الأولى ونمت المناطق الحضرية بسبب تفضيل الفلاحين الإقامة في المدن بدلا من العودة إلى مزارعهم.
وملأت النساء الوظائف والمصانع بعد ذهاب الرجال للحرب وكن حريصات على أن يرسخن استقلالهن الجديد وأعطت أقطار كثيرة المرأة حق التصويت بعد الحرب وبدأ التباين بين الطبقات الاجتماعية يظهر نتيجة للحرب العالمية الأولى وأصبح المجتمع أكثر ديمقراطية، وفقدت الطبقات العليا الحاكمة بعضا من نفوذها وامتيازاتها بعد أن قادت العالم إلى حرب ضروس.
وواجه الرجال بكل طبقاتهم نفس الخطر والفزع في الخنادق وأخيرا صاغت الحرب العالمية الأولى اتجاهات جديدة وفقدت الطبقات الوسطى والعليا الأوروبية الثقة والتفاؤل اللذين كانت تشعر بهما قبل الحرب وبدأ كثيرٌ من الناس يعيدون النظر في بعض المفاهيم التي كانت راسخة لديهم مثال ذلك تغير الفكرة القائلة بتفوق الثقافة والحضارة الأوروبية على العالم كله وكل ذلك بسبب الخراب والدمار الذي أحدثته الحرب
التسوية السلمية
النقاط الأربع عشرة :
في يناير 1918م اقترح الرئيس ودرو ولسون رئيس الولايات المتحدة أي قبل انتهاء الحرب بعشرة شهور بعضا من أهداف الحرب سميت النقاط الأربع عشرة.
اعتقد ولسون أن النقاط الأربع عشرة قد تحقق تسوية سلمية عادلة سماها سلام بلا نصر.
وفي نوفمبر 1918م وافقت ألمانيا على هدنة وتوقعت ألمانيا أن تتم التسوية على أساس النقاط الأربع عشرة وعالجت ثماني نقاط منها تسويات خاصة سياسية وإقليمية وأما باقيها فقد وضعت كمبادئ عامة لمنع حروب مستقبلية واقترحت آخر النقاط تنظيما دوليا سمي فيما بعد عصبة الأمم لتدعيم السلام.
مؤتمر باريس للسلام
اجتمع ممثلو القوى المنتصرة في يناير 1919م في باريس لوضع أسس التسوية السلمية جاءوا من 32 قطرا.
وأعدت اللجان مقترحات تفصيلية لمؤتمر باريس للسلام لكن القرارات وضعها رؤساء أربع حكومات سموا الأربعة الكبار وكان الأربعة الكبار هم: ودرو ولسون رئيس الولايات المتحدة ورئيس وزراء بريطانيا ديفيد لويد جورج، ورئيس وزراء فرنسا جورج كليمنصو، ورئيس وزراء إيطاليا فيتوريو أورلاندو.

الأربعة الكبار المجتمعون وهم من اليسار فيتوريو أورلاندو رئيس وزراء إيطاليا وديفيد لويد جورج رئيس الوزراء البريطاني وجورج كليمنصو رئيس وزراء فرنسا والرئيس الأمريكي ودرو ولسون.
تجاهل مؤتمر الصلح إلى حد كبير المبادئ الرئيسية في النقاط الأربع عشرة فقد ضحى الحلفاء الأوروبيون الكبار أكثر من الأمريكيين فأرادوا أن يحصلوا على تعويض أما ولسون فقد ركز جهوده على إيجاد عصبة الأمم واستجاب ولسون لفرنسا وبريطانيا حول كثير من القضايا.
وفي مايو 1919م وافق مؤتمر الصلح على المعاهدة وقدمها إلى ألمانيا ولم توافق ألمانيا عليها إلا بعد تهديد من الحلفاء بغزوها وإثر شكوك كبيرة وقع ممثلو ألمانيا على معاهدة الصلح في قصر فرساي قرب باريس في 28 يونيو 1919م.
وبالإضافة إلى معاهدة فرساي مع ألمانيا وقع صانعو السلام معاهدات منفصلة مع دول الوسط الأخرى فوقعت معاهدة سان جرمان مع النمسا في سبتمبر 1919م ومعاهدة نويي مع بلغاريا في يونيو 1920م ومعاهدة تريانون مع المجر في يونيو 1920م ومعاهدة سيفر مع الإمبراطورية العثمانية في أغسطس 1920م.
نصوص المعاهدات التي أنهت الحرب :
حرمت المعاهدات دولاً من أراض وأسلحة وطالبتها بدفع تعويضات أما ألمانيا فقد عوقبت بشدة وتضمن بند في معاهدة فرساي إرغام ألمانيا على أن تقبل مسؤوليتها بوصفها المتسببة في الحرب.
وبموجب معاهدة فرساي تنازلت ألمانيا عن أراض في بلجيكا وتشيكوسلوفاكيا والدنمارك وفرنسا وبولندا وخسرت مستعمراتها فيما وراء البحار وحصلت فرنسا على حقول الفحم الحجري في وادي السار التابع لألمانيا لمدة خمس عشرة سنة وكان على ألمانيا أن تدفع نفقات جيش للحلفاء يحتل الضفة الغربية من نهر الراين لمدة خمس عشرة سنة وطلبت بعض البنود من ألمانيا أن تعيد إلى الحلفاء مواد حربية وسفنا وبضائع أخرى.
ولم يستقر الرأي على مجموع التعويضات حتى سنة 1921م وتسلمت ألمانيا فاتورة تعويضات بنحو 33 مليار دولار أمريكي.
أما معاهدتا سان جرمان وتريانون فقد أنقصتا مساحة النمسا ـ المجر إلى أقل من ثلث مساحتها السابقة واعترفت المعاهدات باستقلال تشيكوسلوفاكيا وبولندا ومملكة عرفت فيما بعد باسم يوغوسلافيا.
وتسلمت هذه الدول الجديدة ومعها إيطاليا ورومانيا أراضي كانت تابعة للنمسا ـ المجر.
أما معاهدة سيفر فقد انتزعت مصر ولبنان والعراق وفلسطين وسوريا وشرق الأردن من الإمبراطورية العثمانية وتخلت بلغاريا عن أراض لليونان ورومانيا وكان على ألمانيا كذلك أن تخفض قواتها المسلحة وأن تدفع تعويضات.
عالم مابعد الحرب
وجد صانعو السلام أنه من المستحيل أن يرضوا آمال كل أمة ورغبات كل مجموعة قومية فلقد أغضبت التسويات القوى المنتصرة والمهزومة على حد سواء وأخذ صانعو السلام في اعتبارهم رغبات المجموعات القومية وهم يرسمون حدودا جديدة.
ورغم ذلك فإن المطالب القومية لم تتحقق في كثير من القضايا مثال ذلك أخذت رومانيا مجموعة مجرية كبيرة من السكان كذلك كان في أجزاء من تشيكوسلوفاكيا وبولندا ألمان كثيرون وكان من شأن هذه التسويات أن تزيد من الخلافات بين الأقطار وبالإضافة إلى ذلك فإن الأقطار العربية كانت مستاءة لأنها لم تحصل على استقلالها.
لم تحقق الحدود التي أعادت رسمها تسويات الصلح الأمان الاقتصادي إلا قليلا مثال ذلك أن الأقطار الجديدة في النمسا ـ المجر كانت صغيرة وضعيفة وغير قادرة على أن تدعم نفسها لقد فقدت كثيرًا من سكانها ومواردها وأسواقها وطالب السكان الألمان في النمسا إلى حد كبير بالاتحاد مع ألمانيا ولكن صانعي السلام لم يريدوا لألمانيا أن تكسب أراضي بعد الحرب.
دخلت بريطانيا عالم مابعد الحرب وهي أكثر دول الحلفاء رضى فلقد حافظت على إمبراطوريتها وسيطرتها على البحار لكنها كانت منزعجة من أن ميزان القوى الذي أرادته في أوروبا قد ينقلب رأسا على عقب بوجود ألمانيا ضعيفة للغاية وبنصر شيوعي في حرب أهلية في روسيا وبنجاح فرنسا في فرض شروط قاسية على ألمانيا عدوها التقليدي.
ولكنها لم تنجح في تأمين حدودها وفشلت في أن تحصل على ضمان بمساعدة بريطانيا والولايات المتحدة في حالة غزو ألماني وأخيرًا حصلت إيطاليا على أراض أقل مما وعدت به وأحست أنها لم تأخذ ماتستحق.
في الولايات المتحدة خالف مجلس الشيوخ الرأي العام ورفض الموافقة على معاهدة فرساي وعارض بذلك الرئيس ولسون كانت المعاهدة تجعل الولايات المتحدة عضوا في عصبة الأمم.
ولم يكن كثير من الأمريكيين على استعداد لأن يتقبلوا المسؤوليات المترتبة على القوة الجديدة التي صارت لبلدهم فلقد خشوا أن تقحم عصبة الأمم بلدهم في منازعات أوروبية.
اما المانيافلقد وضعت معاهدة فرساي شروطا قاسية أكثر مما توقعته ألمانيا وكانت مسؤولية قبول هذه الشروط إضعافا لحكومة ألمانيا بعد الحرب وخلال الثلاثينيات ظهرت حركة شديدة التعصب للقومية يقودها أدولف هتلر الذي وعد بتجاهل معاهدة فرساي والانتقام لهزيمة ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى وفي سنة 1939م غزت ألمانيا بولندا وبدأت الحرب العالمية الثانية بالفعل.
............. النهاية ................